الشيخ محمد آصف المحسني
81
بحوث في علم الرجال
اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً . . . ، وكلمة : « من » في قوله تعالى : مِنْهُمْ ظاهرة في التّبعيض ، فلا بدّ من إحراز الإيمان وعمل الصّالحات . ويمكن أن يقال : إنّ ما وصفهم اللّه تعالى به من الصّفات في صدر الآية يستلزم صدقهم ولا ينافيه ذيل الآية ، نعم ، لا تدلّ الآية على أن جميع الصّحابة كذلك ، فهم طائفة خاصّة منهم ، أي : من الذين كانوا معه في المدينة غالبا . الرابع : قوله تعالى : لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ . لا يبعد دلالة سياق الآية على أنّهم صادقون في إيمانهم ومحبّه . . . الرسول ونصرته ، فلا يستفاد من الآية صدقهم في كلّ شيء « 1 » ، ومثله قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ، أي : في إيمانهم كما يشير إليه قوله تعالى قبل هذه الآية : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا . . . . وأكثر ظهورا منها قوله تعالى : . . . وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ . . . وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ . . . وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ . . . أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ . وكذا قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ . . . هذه الآيات الثلاث سيقت على نحو القضيّة الحقيقيّة دون الخارجيّة ، وتطبيقها على الأفراد خارجا ، محتاج إلى إحراز اتّصافهم بما في الآيات . وأمّا الأحاديث الواردة في مدح الصحابة ، فكلّها لا يثبت وثاقتهم ؛ إذ بعد سلامة دلالتها على العدالة أو مجرّد الصدق ، يكون الاستدلال بها دوريّا ؛ لأنّ الرّاوي الأوّل في كلّ رواية منها هو رجل صحابي لا محالة ، والكلام في وثاقته ، ولا يمكن إثبات وثاقة شخص بقول نفسه ، وهذا ظاهر .
--> ( 1 ) . ويمكن أن يقال : إنّ مورد الآية هم الّذين يبتغون فضله تعالى ورضوانه وطلب الرضا لا يتحقّق إلّا مع الاجتناب عن الكذب ، فمن وجدناه على الصفات المذكورة في الآية نحكم بصدقه ، فالآية تختلف دلالة عمّا بعدها من الآيات .